الشيخ محمد رشيد رضا

598

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

نبي ورفعه درجات في الكمال ، وجعل درجات بعضهم فوق بعض ، ثم أوحى إلى خاتم رسله خلاصة سير أشهرهم وأفضلهم وهم المذكورون في هذه الآيات وفي سائر القرآن الكريم ، وأمره أن يقتدي بهداهم ذاك ، وهذه هي الحكمة العليا لذكر قصصهم في القرآن ، وقد شهد اللّه تعالى له بأنه جاء بالحق وصدق المرسلين وانه لم يكن بدعاء من الرسل ، فعلم بهذا انه كان مهتديا بهداهم كلهم ، وبهذا كانت فضائله ومناقبه الكسبية أعلى من جميع مناقبهم وفضائلهم ، لأنه اقتدى بها كلها فاجتمع له من الكمال ما كان متفرقا فيهم ، إلى ما هو خاص به دونهم ، ولذلك شهد اللّه تعالى له بما لم يشهد به لاحد منهم ، فقال ( 68 : 4 وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) وأما فضائله وخصائصه الوهبية فأمر تفضيله عليهم فيها أظهر ، وأعظمها عموم البعثة ، وختم النبوة والرسالة ، وانما كمال الأشياء في خواتيمها ، صلّى اللّه عليه وعليهم أجمعين . والهاء في قوله « اقْتَدِهْ » للسكت أثبتها في الوقف والوصل جمهور القراء ، وحذفها في الوصل حمزة والكسائي ، وقرأ ابن عامر يكسر الهاء من غير اشباع ، وهو ما يسمونه الاختلاس ، ولهم في تخريجها وجوه بعد كتابة ما تقدم راجعت أقوال المفسرين في تفسير ما به الاقتداء فرأيت الرازي لخصها بقوله : فمن الناس من قال المراد أن يقتدي بهم في الامر الذي أجمعوا عليه وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به ( أي باللّه تعالى ) في الذات والصفات والافعال وسائر العقليات ، وقال آخرون المراد الاقتداء بهم في جميع الاخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم . وقال آخرون المراد الاقتداء بهم في شرائعهم الا ما خصه الدليل . وبهذا التقدير كانت الآية دليلا على أن شرع من قبلنا يلزمنا - . ثم ذكر بعد مقدمة وجيزة أن المراد - اقتد بهم في نفي الشرك واثبات التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا الباب ( قال ) وقال آخرون اللفظ مطلق فهو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل . اه وهذه الأقوال متداخلة ، وأقربها إلى الصواب ثانيها من حيث إنه مفصل ، وآخرها المجمل الذي لا يعلم المراد منه وقد نظم الرازي هنا جميع العقليات في سلك أصول الدين من التوحيد والتنزيه واثبات الصفات وجميع ذلك عنده لا يمكن أن يعرفه الأنبياء ولا غيرهم الا بنظر